خاص بالبينة 4 من جمادى الآخرة 1431هـ / 18 من مايو 2010م
في إيران: يوم الجيش أم يوم الحرس الثوري؟!
احتفل النظام الإيراني في الشهر الماضي بما يسمى يوم الجيش، وقد استعرض رئيس الجمهورية الإيرانية قواته وأشاد بقدراته، وتفاخر بإمكانياته لدرجة أن ذكرتنا بما كان النظام السابق يتباهى بجيشه الإمبراطوري، وبهذا دلالة على مضي أحمدي نجاد، والنظام الثوري في نفس الطريق الذي كان يسلكه النظام الإمبراطوري السابق لبناء ترسانة عسكرية تخلف القوات الدولية في المنطقة حسب تعبير الرئيس الإيراني الحالي، ولقراءة الحدث جيداً هناك بعض الإشارات نوردها كما يلي:
أولاً: يحتفل النظام الثوري الإيراني بيوم الجيش في الثامن عشر من شهر أبريل من كل عام؛ لكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا في هذا اليوم بالذات، وهل الاحتفال بإنشاء الجيش الإيراني سواء قبل الثورة أم بعدها؟
إن الاحتفال بهذا اليوم إنما هو احتفال بانهيار الجيش الإمبراطوري الذي كان الثوريون الإيرانيون يتوجسون منه خيفة لقوة سيطرته على الأوضاع في إيران، وما كان ذلك الجيش ليسمح للثوار بالوصول إلى السلطة، ولا لقادتهم خارج البلاد بأن يطؤوا أرض إيران لولا أن جاءته التعليمات من خارج إيران بواسطة (الجنرال هويزر) الذي حضر إلى إيران بإيعاز من حكومة كارتر قبل خروج الشاه، واجتمع بكبار قادة الجيش وطلب منهم عدم القيام بأي إجراء ضد قادة الثورة، أو أي عمل احترازي يحول دون نجاح ثورتهم؛ بل عليهم التعايش مع الوضع الجديد، وعندما أثار قادة الجيش مخاوف انتقام الخميني منهم قام (هويزر) بطمأنتهم بعدم قيام الخميني بأي عمل تجاههم؛ لكن الوضع تغير بعد وصول الخميني إلى طهران، وإقامته الحكومة المؤقتة بقيادة المهندس مهدي بازرقان فحاكمهم بتهمة الإفساد في الأرض – وهي التهمة التي استمرت إلى وقتنا الحاضر وتم ممارستها مع أنصار الحركة الإصلاحية أثناء تعبيرهم عن معارضتهم لتزوير الانتخابات الرئاسية العاشرة التي أقيمت في يونيو 2009م- وبالتالي قام الخميني بإعدام قادة الجيش خلال عمليات الإعدام التي حدثت بعد وصوله -أي الخميني- إلى طهران مباشرة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالقوات التي كانت في استعراض يوم الاحتفال ليست تابعة للجيش الإيراني النظامي، وإنما هي قوات الحرس الثوري أو ما يسمى بجيش حراس الثورة الإيرانية، وليس بخافٍ على المطَّلِع كيف كانت بداية تشكيل هذا الجيش.
ثانيًا: أي الجيشين يحظى بالاهتمام والدعم من قبل النظام؟
لا شك أن جيش حرس الثورة هو من يحظى بالدعم المادي والمعنوي من قبل النظام منذ انتصار الثورة ومنذ تأسيس الحرس الثوري؛ بل كان ذلك محل خلاف بين قادة الثورة؛ إذ نشب خلاف بين أول رئيس جمهورية في إيران وبعض قادة الثورة الإيرانية من التيار المتشدد منذ نشوب الحرب الإيرانية العراقية، فرئيس الجمهورية آنذاك بصفته القائد الأعلى للقوات كان يرى وجوب تمركز الجيش النظامي على جبهات القتال، وتقديم الدعم اللوجستي والمعنوي للجيش، أما بعض كبار المسئولين في النظام فكانوا يجاهدون لإقناع الخميني بإصدار توجيهاته لإفساح المجال أمام وحدات الحرس الثوري للتمركز على جبهات القتال مع العراق، وقد انتهى هذا الجدل بتوجيه الاتهامات إلى رئيس الجمهورية آنذاك بالتواطؤ والعمالة، الأمر الذي حدا به بالهرب من إيران خشية توجيه التهمة المعروفة وهي الإفساد في الأرض التي لا يجهل هو نتيجتها، وما سوف تؤدي إليه.
ثالثًا: في ظل الإنفاق الكبير على ترسانة الحرس الثوري ووحداته التي تشمل القوات والبرية والجوية والبحرية إلى جانب قوات (قدس) المسئولة عن تصدير الثورة وعمليات الاغتيال، ودعم ما يسمونهم (المستضعفون) خارج إيران بالطبع، وسعياً إلى تأليب هؤلاء بالخروج على حكوماتهم وإثارة القلاقل داخل بلدانهم، وما قضية الحوثيين عنا ببعيد.
في ظل ذلك إذا نظرنا إلى الواقع الاقتصادي للمجتمع الإيراني لوجدناه واقعاً مزرياً، فهناك تصاعد لنسبة التضخم، وارتفاع في معدلات البطالة، وبروز ظاهرة هروب الفتيات، وانتشار المخدرات، والوضع الاقتصادي هذا لم يكن جديدًا، وإنما يأتي امتدادًا للوضع الاقتصادي المتردي منذ انتصار الثورة التي قدم قادتها وعوداً للمجتمع الإيراني كان من بينها العدالة الاجتماعية وتحسين الحياة المعيشية له؛ لكن المجتمع الإيراني لا زال ينتظر هذه الوعود، والتي كان آخرها ما قدمه الرئيس الحالي من توزيع عائدات البترول على موائد الفقراء والمساكين!!!؛ لكن لم تتحقق هذه الوعود فكانت المحصلة ما عرضته إحدى الفضائيات العربية من تفشي ظاهرة تردد الشباب الإيراني في شوارع طهران للتكدي والمسألة عن طريق عزف الآلات الموسيقية، وخاصة في أشهر شوارع طهران. ولقد أثر الوضع الاقتصادي المتردي على فئات كبيرة من المجتمع الإيراني حتى ضباط الجيش الإيراني الذين لم يجدوا حيلة للإيفاء بمتطلباتهم المعيشية إلا بالعمل في وكالات سيارات الأجرة؛ إذ يعمل بعض ضباط الجيش النظامي - وليس الحرس الثوري - بعد انتهاء فترات عملهم في تلك الوكالات وبسياراتهم الخاصة.
رابعًا: ما حكاية وضع الورود في فوهات البنادق؟ وماذا تحمل هذه الصورة من معاني ودلالات؟
إن هذه الصورة ترجع دلالاتها إلى ما قبل انتصار الثورة الإيرانية عندما كانت شوارع طهران والمدن الكبرى في إيران تغص بالمتظاهرين، وكانت وحدات الجيش آنذاك تقوم بتفريقهم حتى باستخدام القوة؛ لكن قادة الثورة أوعزوا إلى أنصارهم من الأطفال والمراهقين من الجنسين والنساء الذين يتقدمونهم في تلك المسيرات والمظاهرات بجلب ورود ووضعها في فوهات بنادق رجال الجيش تعبيراً على العلاقة بين المجتمع وأفراد الجيش؛ مما كان له تأثير على زعزعة نفسيات بعض هؤلاء الأفراد، وبالتالي نجاة هؤلاء المتظاهرين من بنادق أفراد الجيش، ولذلك كان تعظيم هذه الصورة، وإبرازها في مظاهر الاستعراض العسكري للحرس الثوري؛ ولكن هل يمكن أن ينجو المتظاهرين من مؤيدي الإصلاحيين من عصي قوات البسيج لو كرروا المشهد وقاموا بتقديم الورود لأفراد هذه القوات؟
خامسًا: وقفة أخيرة مع ما تضمنته كلمة أحمدي نجاد، وخاصة عندما أكد على أن الحفاظ على الأمن الإقليمي يتأتى من تكاتف جهود بلدان المنطقة، وهذا كلام ظاهره جميل؛ ولكن هناك تناقضات كبيرة بين ممارسات النظام الإيراني في المنطقة وهذه التصريحات، فمنذ أن تسلم أحمدي نجاد رئاسة الجمهورية في إيران شهدت العلاقات الدولية بين إيران والدول الإقليمية والعالمية تدهورًا حادًّا من جراء ممارسات النظام الإيراني وتصريحات قادته. ولكي يتحقق الأمن الإقليمي، ويخيم على المنطقة، فعلى إيران إبداء حسن النوايا، وتبادل الثقة مع جيرانها في الخليج خاصة، والدول العربية الأخرى عامة، وعدم التدخل في شئونها الداخلية؛ وبالتالي التخلي عن مشروعها وطموحاتها في المنطقة، ولتعلم إيران أن الترسانة العسكرية لم تمنع خروج الشاه من إيران، وأن مخلفات الأسلحة من كوريا الشمالية والصين وغيرها من دول الكتلة الشرقية وتطويرها لم تسعف جيش صدام من الصمود أمام الأسلحة الفتاكة الحديثة.
د. سعد بن نامي
باحث في الدراسات الإيرانية