خاص بالبينة 13 من جمادى الأولى 1431هـ / 27 من أبريل 2010م
أظهرت المتابعة الإعلامية لمراحل تطبيق بنود الإنفاق بين النظام اليمني والحوثيين صور الدمار الذي لحق بالمنطقة وحجم الخسائر المادية التي خلفتها الحرب، إذ تحولت صعدة إلى ركام وأطلال وأصبحت الأوضاع فيها أسوأ بعشرات المرات مما كانت عليه قبل اندلاع الحرب السابعة، وإذا ما أضيف إلى تلك الخسائر معاناة النازحين الذين فقدوا الكثير من ممتلكاتهم ومصادر رزقهم والآثار النفسية للحرب على الأطفال فالنتائج ستكون أكبر بكثير.
مما لا يدع مجالاً لشك ويؤكد أن الحرب لم تكن بسبب ضعف التنمية في المنطقة وتهميشها لأن الحوثيين قبل غيرهم يدركون أن الحرب ليست الطريق الصحيح لمعالجة هذه القضايا ولم تكن في يوم من الأيام كذلك، إذن فإن أهداف الحرب كانت أبعد من كل تلك الحجج الواهية التي ساقها الحوثيون لتبرير تمردهم وما يعزز وجهة النظر هذه هو هجومهم على المملكة العربية السعودية من جهة وتحالفهم مع القاعدة من جهة أخرى.
ورغم كل الآثار التي خلفتها الحرب والهزيمة العسكرية التي مُنُوا بها في الجبهتين اليمنية والسعودية استمر الحوثيون في المعاندة وكاد الإنفاق أن يفشل بسبب رفضهم إخلاء بعض المواقع الإستراتيجية (بالنسبة لهم) ورفضهم التخلي عن أسلحتهم وغيرها من التصرفات التي جعلت الكثير من المتابعين يعتبرون الإنفاق لا يعدو أن يكون استراحة مقاتل وإمكانية اندلاع الحرب الثامنة أو المواجهات ستبقى واردة ويمكن أن تنطلق شرارتها لتماس بسيط بين الطرفين.
حديث المتابعين والمراقبين هذا عن إمكانية اندلاع المواجهات مرة أخرى في محله والمعطيات على الواقع تسنده وما لم يقبل الحوثيون على مراجعات فكرية على غرار مراجعات الجماعات التكفيرية مثل الجهاد في مصر والجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا وغيرها من المراجعات فإن الحديث عن استقرار في اليمن هو قريب من التمني والحلم منه إلى الواقعية السياسية، ولكن هل بالإمكان أن يقوم الحوثيون بمراجعات فكرية؟
للإجابة على هذا السؤال يتوجب علينا إجراء مقارنة بين الطرفين فأوجه الشبه بين الحوثيين والجماعات التكفيرية تكمن في عدة نقاط مشتركة أبرزها:
_ تكفير الأنظمة ولكن من منطلقات شرعية مختلفة فالتكفيريون السنة ينطلقون من عدم تطبيق الحكومات للشريعة الإسلامية والحكم بغير ما أنزل الله، أما الحوثيون فيكفرون الأنظمة على أساس أنها اغتصاب لسلطة الإمام المعصوم خاصة في ظل وجود نائبه الولي الفقيه في إيران والذي يتوجب على الأمة مبايعته وطاعته.
_ يرى كلاهما بضرورة التغيير عن طريق استعمال السلاح.
_ مشاركة الطرفين الجزئية أو المرحلية في فترة ما في العملية السياسية ثم التحول إلى العمل السري وتكوين خلايا عسكرية تمهيدًا للخروج عن السلطة وتبني العمل المسلح.
_ يرفع الطرفان شعار الموت لأمريكا الموت لإسرائيل والدفاع عن الأمة في حين أن الواقع يؤكد عملهما ضد ذلك.
_ كلا الطرفَيْن مختَرَقَيْن من أجهزة المخابرات الدولية إذ أكدت العديد من التقارير أن الجماعات التكفيرية مختَرَقَة من طرف أجهزة مخابرات تسيرها وفق أجندتها بشكل مباشر أو غير مباشر، ولكن في الحالة الحوثية ليس هناك اختراق وإنما خضوع وتبعية بشكل طوعي وإرادي كاملة للحرس الثوري الإيراني مصدر التمويل والتدريب والتسليح.
وعلى عكس الجماعات التي قامت بمراجعات يبدو أن الحوثيين لن يقوموا بأي مراجعات فكرية وذلك للأسباب التالية:
_ المنطلقات الشرعية للجماعات المسلحة السنية هشة وتصدي العلماء لدحضها وتوضيح الشبهات التي وقع فيها هؤلاء وتفنيدها بالأدلة الشرعية والعقلية، ولكن في الحالة الحوثية فإن المراجع الشيعية تنظر لهذه الأفكار وتدعمها وهي من يحرض عليها، حتى أن البعض منها يدعم الحوثيين ماليًّا إذ تحدثت تقارير صحفية عن دعم مراجع ومؤسسات دينية في النجف وبعض بلدان الخليج العربي وقم للحوثيين.
_ رفضت التيارات السنية في كل الدول العربية ما تقوم به الجماعات المسلحة من هجمات وأعمال تخريبية وقوبلت أيضًا بالرفض الشعبي الواسع على عكس الحوثيين الذين دعمتهم معظم التجمعات الشيعية في الوطن العربي واعتبرتها محاولة لتصفية أتباع آل البيت مستحضرة مظلوميتهم ومأساة كربلاء تحيدا، كما لم يدن أي مرجع أو تيار شيعي ما قام به الحوثيون ضد اليمن والمملكة العربية السعودية وتقدم البعض منهم بمقترح الوساطة بين الطرفين كالصدريين والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله الذي أعرب عن استعداده لذلك إذا ما طلب منه الوساطة.
_ مراجعات الجماعات السنية خرجت من السجون وبعد فترة طويلة قضوها هناك، وكانوا في مركز ضعف وأصحاب نفس الفكر من أتباع تنظيم القاعدة الذين يشعرون بأنهم في مركز قوة يواصلون عملياتهم الإرهابية في الوطن العربي، من هنا فإنه ما دام الحوثيون يشعرون أنهم في مركز قوة (حتى ولو كان إدعاءً) فلا يتوقع منهم التراجع عن أفكارهم خاصة مع الظروف السياسية الداخلية في اليمن والجبهات المتعددة المفتوحة على النظام اليمني التي تتيح للحوثيين هامشًا كبيرًا من المناورة إذ تحدث عبد الملك الحوثي عن إمكانية تنسيقه وتحالفه مع الحراك الجنوبي لتقارب وجهات النظر.
وأهم ما يمنع الحوثيين من الإقدام على مراجعات هو أن قرارهم على عكس التكفيريين السنة بيد الحرس الثوري الإيراني والمرشد الأعلى، وبالتالي فإنه لا يتوقع من الحوثيين أن يقوموا بأي مراجعة ما لم تقم إيران بمراجعة في توجهاتها السياسية مع العرب، فهل تقوم بذلك؟
الخطاب السياسي الرسمي الإيراني يعكس مدى تعصب السياسيين الإيرانيين لقوميتهم الفارسية وكل ما تحمله من أفكار استعلائية وتوسعية ومحاولتها إجبار الغرب الاعتراف بها كقوة عالمية من خلال مطالبة خامنئي وأحمدي نجاد الولايات المتحدة معاملتها الند لند ووفرت رسالة الرئيس الأمريكي أوباما الثانية بمناسبة حلول السنة الجديدة في إيران التي طالب فيها بالحوار بينهما فرصة لتسويق هذه الأفكار داخليًّا برفض خامنئي الحوار مع الولايات المتحدة، كما يعكس دعمها لتجمعات الشيعية في العالم العربي والإسلامي خاصة في العراق وأفغانستان رغم احتلالهما مضيها الفعلي وإصرارها على تنفيذ مشروعها الشيعي ولو بالتحالف مع الشيطان الأكبر والأصغر والذي يتلخص ببساطة في إقامة الدولة المهدوية التي سيسودها العدل بعد التخلص من الظلم والطغيان والجبروت ومعاقبة الظالمين الأوائل، وهو بذلك لا يتعارض مع أفكار القومية الفارسية بل يعطيها مبررات أخلاقية، من هنا فلا يمكننا أن نتوقع لا مراجعات حوثية ولا مراجعات إيرانية وليس هناك من سبيل سوى العمل بمختلف الوسائل مع التركيز على الجانب الاقتصادي وتحسين المستوى المعيشي لقطع الطريق أمام إيران حتى لا تستغله في تحقيق مشروعها التوسعي الاستعماري المغلف بحب آل البيت.