خاص بالبينة 11-صفر-1431هـ / 26-يناير-2010م
كانت اليمن قبل الإسلام، منطقة نفوذ اسميه لإمبراطورية آل ساسان الفارسية، في صراعها مع الإمبراطورية الرومانية.
ومع أن تلك كانت صفحة وتم طيها في فجر الإسلام... إلا أن اليمن ظلت تعيش في وجدان الفرس، حتى بعد أن فقدوا الكيان الذي كان يمثلهم وهي دولة آل ساسان لذلك لم يلبثوا حتى عادوا إليها بعد أقل من ثلاثة قرون ولكنهم عادوا إليها هذه المرة من خلال الدعوة الزيدية التي وجدت آذانا صاغية لها لدى بعض القبائل في شمال الشمال من بلاد اليمن لاسيما وأنها كانت ترفع شعار الانتصار لأهل البيت ومحاولة استرداد حقهم المسلوب في الإمامة، كما يزعمون.
تأثر الهادي بالفكر الفارسي
وهناك عدد من الحقائق الهامة التي ارتبطت بتأسيس الدولة الزيدية في اليمن وقد يكون كثير منا لا يعلم بها حتى اليوم ومن ذلك أن المذهب الزيدي النصف شيعي، الذي انتشر في اليمن واعتنقته غالبية قبائل اليمن الشمالية، لأسباب سياسية، هو بالأصل فارسي المنشأ[1] ( نشأ في طبرستان والجبل والديلم في إيران)، وانتقلت نسخة منه -وإن لم تكن طبق الأصل- إلى شمال اليمن على يد الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي عام 284. " معلوم أن الإمام الهادي يحيى بن الحسين المولود بالمدينة تتلمذ على فِكْر جده القاسم بن إبراهيم الذي انتقل إلى المدينة من جبال الرس في بلاد الديلم وتم تسمية المنطقة التي انتقل إليها في المدينة باسم الرس[2]". إذ: "تشير بعض الكتابات إلى أن الإمام الهادي قد التقى بجده، لكن ما هو هذا الالتقاء؟ هنا تتعدد الروايات والذي يهمنا الآن هو أن هناك تراثا زيديًّا قاسميًّا ومشرقيًّا تتلمذ عليه يحيى بن الحسين الإمام الهادي عاد مرة ثانية إلى المشرق[3].
وهذه الحقيقة -صلة الهادي ببلاد فارس- يحاول الزيدية المتأخرون إخفاءها والتعتيم عليها مكتفين بالقول أن منطقته ونشأته كانت في الرس في المدينة المنورة. " الإشكالية عند الزيدية اليمنية المتأخرة أنها تنفي أية صلة للقاسم بن إبراهيم بزيدية المشرق وهو نفي يناقضه وينافيه أمور كثيرة، أولا أن العالم الإسلامي في تلك الفترة عالم منفتح لم تكن فيه الحدود الموجودة الآن بحيث يكون أمر التنقل معه صعبا كما هو الشأن الآن؛ (...) وبالنهاية لا عيب في ذلك سواء اتصل بالمشرق أم لم يتصل، لماذا ينفون؟
ثانيا: المذهب القاسمي بالمشرق كان مشهورا حتى انهيار الزيدية في القرن العاشر، بعد ذوبانها بين مجاميع الحق الإلهي، الإشكالية عند أصحابنا من الزيدية المتأخرين عندما يذكرون الإمام القاسم يقولون إنه عاش في العراق، والمراجع القديمة تقول إنه عاش في عراق العجم، وعراق العجم هي بلاد فارس، فيحذف أصحابنا كلمة العجم ويبقون العراق"[4].
ووفقا لما قاله الدكتور عبد الله الشماحي أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة صنعاء فإن "ثقافة الإمام الهادي العامة جزء من الثقافة الزيدية المشرقية الفارسية التي انتقل بها وجاء إلى اليمن ومن ثم أعلن هذه الفكرة!! [5] -أي فكرة شرط البطنين في الإمامة- أي الحسن والحسين- والتي هي -كما يرى- فكرة دخيلة على المذهب الزيدي، وهي من أهم ملامح تأثر الفكر الزيدي بالفكر الفارسي. ففي رده على سؤال: هل كان الإمام القاسم جد الإمام الهادي يقول بشرط البطنين؟ أجاب الدكتور الشماحي:- سؤال مهم. لم يؤثر عنه ذلك، ولم تبرز فكرة البطنين في اليمن إلا من خلال الإمام الهادي يحيى بن الحسين، ولم أعثر أنا على أي أثر عن الإمام القاسم في هذا الموضوع[6].
جالية فارسية وفدت مع الهادي
والحقيقة الثانية الهامة التي ارتبطت بتأسيس الدولة الزيدية في اليمن والتي لا يعلم بها الكثيرون أيضا أن هناك جالية فارسية، صاحبت الإمام الهادي في رحلته إلى صعدة، وهي الجالية التي أطلق عليها اسم " المهاجرين "، آنذاك. ومما لاشك فيه أن هذه الجالية القادمة من بلاد فارس ساعدت الإمام الهادي يحيى بن الحسين في تأسيس دولته، ونشر مذهبه في جبال اليمن الشمالية، وكانوا ساعده الأيمن، وأقرب المقربين إليه.
يقول الدكتور عبد الله الشماحي: بل عندما جاء إلى اليمن -أي الامام الهادي- جاء معه كثير من أصحاب المشرق يناصرونه وهم الطبريون[7]. .. جاء معه رجال من الجند والقادة المعروفين بالطبريين بل وزوج بعضًا منهم من بناته، وحقيقة عندما ننفي صلة الإمام الهادي ببلاد المشرق نحن نجافي الحقيقة[8].
ومن الأسر الفارسية التي وفدت مع الإمام الهادي الأسرة التي ينتمي إليها الرازي الصنعاني المشهور بكتابه (تاريخ صنعاء).
جاء في ترجمته في موسوعة الإعلام: "الرازي، أبو العباس؛ ولد ونشأ وتوفي في مدينة صنعاء.
عالم، فاضل، مؤرخ. رجح الكثير من المؤرخين أنه من أسرة فارسية، أصلها من (الرَّي) -إحدى مدن إيران حاليًّا- وأن هذه الأسرة وصلت إلى اليمن من طبرستان في نهاية القرن الثالث الهجري مع الإمام (يحيى بن الحسين بن القاسم) ثم استوطنت مدينة صنعاء وحضرموت بشكلٍ خاص. وهي أسرة شيعية هادوية، رغم الاعتدال الذي يبديه صاحب الترجمة في كتابه: (تاريخ مدينة صنعاء) مما يُغلِّب الظن أنه سني المذهب[9].
نجدة فارسية للإمام الهادي
والحقيقة الثالثة أنه في وقت لاحق عندما انفضت بعض القبائل اليمنية من حول الإمام الهادي يحيى بن الحسين وخذلته، واشتد الخناق عليه من قبل خصومه، وصلته نجدة أخرى من بلاد فارس -ومن الحجاز أيضا- وانضمت للقتال إلى جانبه، وكان ذلك أحد عوامل كسب الإمام الهادي لجولة القتال في تلك المرحلة الحرجة.
جاء في موسوعة الإعلام للشميري، ترجمة الهادي – " وتوالت البلاد داخلة تحت يده؛ وضربت السكة باسمه، ثم حاربه (آل طريف)، و(آل يعفر)، الذين كانوا ولاة للعباسيين؛ حتى أخرجوه إلى بلاد (كوكبان)، ثم إلى بلاد (حاشد)، واستمر منسحبًا، حتى وصله مدد من الشيعة الطبريين، ومن الحجاز، فعاد إلى مدينة صنعاء، إلا أن الحرب مع خصومه لم تنته، وظلت دائرة سجالاً..[10]"
وهو ما يدعونا إلى القول بأن الفكر الزيدي – إضافة إلى تأثره بالفكر الفارسي -قد انتشر في اليمن بجهود يمنية- فارسية مشتركة. وهذه الجالية الفارسية اختلطت بالسكان في معاقل الزيدية وأثرت في فكرهم وتزوجت منهم وذابت مع الزمن في نسيجهم، وحملت بعد ذلك ألقاب يمنية صرفة.
تواصل هجرات الفرس إلى اليمن
لكن العلاقة لم تتوقف هاهنا فقد ظل هذا المذهب في العصور الوسطى حلقة وصل بين الشيعة الزيدية في بلاد فارس، والشيعة الزيدية في اليمن، وهناك أكثر من إمام من أئمة أهل البيت، قدم من إيران وأعلن إمامته في جزء من شمال اليمن. كما أن هناك العديد من العلماء الذين قدموا من بلاد فارس واستقروا في معاقل الزيدية في شمال اليمن.
وفي المقابل كان هناك حركة انتقال في كتب أئمة الزيدية بين اليمن وإيران لا سيما في طبرستان والجبل والديلم معقل الزيديين في إيران، ونقطة انطلاق أول دولة زيدية في تاريخ الإسلام، والعكس صحيح، وكانت كل منها تحظى بالرواج في موطن الأخرى.
يقول الدكتور عبد الله الشماحي: ثم جاءت المدرسة الثالثة في اليمن بتأثير زيدي مشرقي جديد! حيث كلف الإمامُ أحمد بن سليمان في القرن السادس القاضي جعفر بن أحمد وهو من الأبناء الفرس في اليمن ويسمى بالبهلولي لأنه سكن بني بهلول وكان إسماعيليا ثم تحول إلى الزيدية وصار زيديا مُطَرَفِياً ثم مخترعاً، كلفه بالذهاب إلى عراق العجم «فارس» وإحضار كتب الزيدية، فأحضرها إلى اليمن وقد تشبعت بشكل أكبر بمفهوم وفلسفة الحق الإلهي، والتي أصبحت منظومة متكاملة بمعنى أن حق الإمامة وحدها ليست من الحق الشخصي لذرية علي من فاطمة فقط، بل وأيضا الإمامة الدينية والإمامة الاجتماعية والعلمية، أي أن هذه السلالة هم أئمة السياسة وأئمة العلم وأئمة الدين والقضاء وكل مناحي الحياة، وهذه ثالثة الأثافي التي أغلقت نوافذ المدرسة الزيدية من إطارها الواسع إلى جعلها مدرسة سلالية منغلقة، وقد تم تدريس هذه الكتب في حلقات الزيدية ومدارسها وهِجَرِها. وهنا وقع الصراع الزيدي الزيدي بين أبناء المدرسة الواحدة، وقد أطلق أتباع المدرسة الثالثة هذه على من هو من غير النسب الفاطمي العلوي لقب «العامة»[11].
وبعد
فهذه مجرد بداية لرصد تغلغل الفكر الفارسي في فكر الزيدية في اليمن، وهي تأتي في إطار البحث عن الجذور الحقيقية لحركة تنظيم الشباب المؤمن بزعامة الحوثي، المرتبط فكريا وتنظيميا ووجدانيا بنظام ولاية الفقيه في طهران، وذلك تمهيدا لدراسة شاملة في هذا الخصوص في المستقبل إن شاء الله!!
--------
[1] انظر ج. انكارين، مذكرات دبلوماسي في اليمن، ترجمة د. قائد محمد طربوش ، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1، 1993
[2] الدكتور عبد الله الشماحي ( مقابلة ) ، الأهالي نت 24/11/2009، http://www.alahale.net/details.asp?id=4634&catid=20
[3] الدكتور عبد الله الشماحي ( مقابلة ) ، الأهالي نت 24/11/2009، http://www.alahale.net/details.asp?id=4634&catid=20
[4] المرجع السابق
[5] المرجع السابق
[6] المرجع السابق
[7] المرجع السابق
[8] المرجع السابق
[9] موسوعة الأعلام – ترجة الرازي الصنعاني - http://www.al-aalam.com/pcv.asp?pid=55&sfield=
[10] موسوعة الاعلام – ترجمة الهادي - http://www.al-aalam.com/pcv.asp?pid=1066&sfield=%20
[11] المرجع السابق