خاص بالبينة 9-صفر-1431هـ / 24-يناير-2010م
إيران بين الديمقراطية والتطرف .. لست مختصًّا وباحثًا في الشأن الإيراني لكن ومن خلال متابعتنا وقراءتنا المتواضعة لجل الوضع الإيراني وتشابك العلاقات بين العراق وإيران وحكم الموقع الجغرافي لإيران وحدودها الطويلة التي تمتد لأكثر من 1500 كيلو متر مع العراق, تمتد من الخليج بتماس مع مدن كالبصرة والعمارة والكوة وأربيل وانتهاءً بالسليمانية في أقصى الشمال العراقي جعلنا نخوض في هذا الموضوع ونسترسل فيه.
فإيران وعبر الـتاريخ لم تكن موطنا انبثق منه التشيع وانتشر منها إلى العراق بل العكس صحيح، وإن المذهب الشيعي انتشر من العراق إلى إيران ومن ثم إلى البلدان الإسلامية الأخرى فطالما قرأنا أن معظم الإيرانيين كانوا من أتباع مدرسة أهل السنة والجماعة وكان فقهاؤهم يأمرون ويلعنون عليًّا على المنابر, حتى القرن العاشر الهجري أي القرن السادس عشر الميلادي وظهور الدولة الصفوية لتصبح مدينة أصفهان مركزا علميا كبيرا لنشر المذهب الشيعي إلى أن حلت الفوضى في إيران ومن ثم انهيار الدولة الصفوية وانتقال مركز العلوم إلى كربلاء ومن تحوله إلى النجف في القرن الثامن عشر لتبقى فيها ولحد الآن, ولعل التقارب الذي حصل منذ ذلك الوقت بين شيعة العراق وإيران بحكم أداء الزيارات وزيارة المراقد المقدسة ودفن الموتى وطلب العلوم الدينية كان له أثره الواضح في هذه العلاقة الأزلية.
لا شك أن دولة إيران بقيادة نظام ولي الفقيه قد ابتعدت كل البعد عن التشيع الحقيقي وهو الولاء وحب آل البيت والالتزام بكل ما كانوا يتَّصِفون به من أخلاق عالية وإنسانية, ولعلي أستطيع القول إن التشيع أصبح فقط شعارا ترفعه دولة إيران أو ما تسمى دولة ولاية الفقيه تتخذ مظاهر وطقوسا من قبيل تنظيم احتفالات منظمة في ذكرى كربلاء لرثاء سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين وفي نفس الوقت تروج لأعمال مسلحة داخل العراق ليبكوا على الحسين ظاهرا ويقتلوا أصحابه في نفس الوقت.
قد لا يختلف معي اثنان أن لإيران بصماتها على الوضع السياسي والأمني العام داخل العراق وكان لتدخلاتها المتكررة أثرا واضحا في تلكؤ واستقرار الأوضاع الأمنية في مدن الجنوب طوال الثلاث سنوات الأول من تحريره بدعمها لمليشيات مسلحة بحجة مقارعة وقتال ما سموه احتلالا.
ولعلنا لا زلنا نستذكر أحداث مدينة النجف الدامية التي حولت المدينة إلى ساحة حرب حقيقية ولولا حكمة المرجعية والعقلانيين من التيار الصدري في حينه الذي حال دون جر العراقيين إلى حرب شيعية شيعية ومن ثم محاولات القاعدة لإشعال فتنة النار الطائفية بين السنة والشيعة وتأجيج الصراع القومي ولم تنجح كل تلك المساعي رغم ما وقع من إحداث دامية ومؤلمة وما نجم عن نزوح للعوائل من الطائفتين وطوائف أخرى من المناطق التي طالما تعايشوا فيها جنبا إلى جنب بمحبة وسلام ووئام.
جاءت نتائج الانتخابات الإيرانية على غير ما كان يتوقعه الشارع الإيراني والتي حسمها الرئيس السابق (محمود احمدي نجاد) لصالحه بعد فرز معظم الأصوات الانتخابية حسب ما صرحت بها الهيئة العليا لمراقبة الانتخابات الإيرانية حيث أعلنت حصول نجاد على أكثر من 63- 65 % من الأصوات, بعدما كانت جميع الاستطلاعات ورأي الشارع الإيراني تصب لصالح المرشح الإصلاحي (مير حسين موسوي).
لعلنا لسنا هنا لندعم هذا المرشح وندع ذاك ولم نكن من المقترعين لندلي بصوتنا لموسوي ضد نجاد ولكن ما يهمنا هو الشأن العراقي أولا وأخيرا ومن يخدم مشروع الديمقراطية في العراق وبشكل عام في الشرق الأوسط ومن لديه خطاب مرن وواضح في أصل التعامل مع الغير ومع الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة والتي ساعدت العراق في تحرره وتحرر شعبه الذي غالبيته من الشيعة.
خطاب محمود أحمد نجاد المتطرف وسياسات ولي الفقيه المتعجرفة لم تَجُرّ سوى الخراب والدمار على دولة إيران أولا وعلى العراق ومساعي إنشاء دولة حديثة تتمتع بديمقراطية بسبب دعم الأولى لتيارات شيعية وسنية متطرفة توالي توجهات ولي الفقيه وسياسات إيران في قتال ومحاربة المشروع الإمبريالي الصهيوني حسب زعمهم!! لسنا هنا لنفرق بين طوائف العراقيين ومللهم فبناء الدولة العراقية لابد أن يبتعد عن أي ولاءات أخرى خارجية ومن يدعم الاستقرار ودعم الديمقراطية هو المهم لدينا وخطابات وشعارات من قبيل طرد ما يسمونه احتلالا ومصطلحات من قبيل عدم وجود السيادة هو تدخل سافر في الشأن الداخلي العراقي سواء كان من إيران وغير إيران.
جاءت نتائج الانتخابات الإيرانية لصالح نجاد وسرعان ما باركها الفقيه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وسرعان ما أيده أيضا معظم الزعماء الشموليين في أرجاء المعمورة وباركت فوزه المزمع. فالمؤسسة الإعلامية الإيرانية التي توالي ولي الفقيه دعمت وروجت بشكل واضح الرئيس نجاد وحجبت جميع الوسائل التي كانت تروج للمرشح الإصلاحي مير حسين موسوي وحظر معظم المواقع الالكترونية كالـ face bock وtwitter عن الناخبين الإيرانيين الذين أشارت الاستطلاعات الأولى إلى تقدم قائمة الإصلاحيين على قائمة (المتطرفين), وقال الإعلامي المشهور من لندن السيد نوري علي زادة أن وزير الداخلية هنأ شخصيا المرشح مير موسوي عشية إعلان النتائج ثم ليفاجأ هو والجميع بظهور النتائج عكس ذلك, وما يؤكد ذلك أيضا هي المظاهرات الضخمة التي خرجت بعد إعلان النتائج معترضة على الخروق التي حصلت وعمليات التزوير في عدة محافظات إيرانية كانت الغالبية العظمى منهم تؤيد المرشح الإصلاحي حسب استطلاعات الرأي التي أجرتها وكالات عالمية, ولتقابل السلطات هذه الاحتجاجات السلمية بشتى أساليب القمع من تعتيم وطرد مؤسسات إعلامية واعتقال الإعلاميين وقتل العشرات من المتظاهرين وزج المئات منهم في السجون والمعتقلات.
لعل هناك دليلا واضحا على أن الشعب الإيراني في غالبيته كان يدعم فوز المرشح مير حسين موسوي ولعل من يتابع مباريات كرة القدم سوف يقف على هذه النقطة وأهميتها بالنسبة للحدث ورب سائل يسأل ما علاقة كرة القدم بالانتخابات الإيرانية وفوز هذا المرشح وخسارة ذاك؟؟ ولعل الجواب يأتي أن لعبة كرة القدم لعبة عالمية لها جمهورها الواسع ولعل حين إقامة أية مباريات حاسمة لأي منتخب وطني ولأية دولة (رغم استغلال الدول الدكتاتورية والشمولية للرياضة عموما ولعبة مثل كرة القدم ذات الشعبية الأكثر) يتحرك شعور داخل الإنسان بدعم وتشجيع الفريق مهما كان من الضعف وقوة الخصم, ولعلي هنا أؤكد أن الشعب ألإيراني شعب تواق ومحب للعبة كرة القدم وللرياضة عموما ولعلهم أثبتوا عدم دعمهم لولاية ثانية للرئيس نجاد وسياسات دولة الفقيه؛ ففي مباراته ضمن التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس العالم في جنوب أفريقيا مع فريق كوريا الجنوبية شاهدنا العفوية التي كان عليها جميع لاعبي منتخب إيران وطاقمه التدريبي والإداريين وهم يعلقون شارات خضر تشير إلى دعمهم للمرشح المعتدل مير حسين موسوي.
الديمقراطية الواعدة في إيران في مهب الريح فيما لو استمرت سياسات الاعتقالات والقتل وقمع التظاهرات السلمية، وفي ظل بقاء السلطة في يد المتطرفين بدعم من المرشد الروحي (ولي السفيه) التي هتف بها المتظاهرون (مرك برك خامنئي), لابد أن المجتمع الدولي المتمثل بالدول الداعمة لتحرر الشعوب وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوربي عموما لن يقف متفرجا ومكتوف ألأيدي في ظل استمرار الأزمة النووية الإيرانية وما استجد من انتهاكات لملفات حقوق الإنسان وحرية التعبير بعد الانتخابات الإيرانية, المنطقة مقبلة على تغييرات جذرية في خضم تحرك وعي الشعوب التي تطمح لنيل حريتها بعيدا عن الخطاب المتطرف ولغة العنف والتهميش والإقصاء.
محمود غازي سعد الدين
العراق
nelson_usa67@yahoo.com
www.iraqfreedom.blogspot.com